يستخدم مشجعو كرة القدم مصطلح "أوفرريتد" كثيراً، لوصف اللاعبين الذين يحصلون على تقدير أكبر من قيمتهم، ويرفع الإعلام والجمهور على حد سواء بعض الأسماء دون مبرر فني، بسبب تصريحاتهم أو شخصيتهم أو حتى لعبهم في نادي كبير يوفر لهم الفوز بالبطولات دون عناء، لكن ماذا عن الجانب العكسي من التصريح، وكيف تكون الإجابة على هذا السؤال، عرف الآندرريتد؟ الحقيقة أن الإجابة سهلة وبسيطة للغاية، الآندرريتد هو برناردو سيلفا!

في استفتاء جماهيري كبير، اختار جمهور "الصن" البريطانية برناردو سيلفا كأكثر لاعب مظلوم إعلامياً وجماهيرياً في البريمرليج، قبل سون توتنهام، لاكازيت آرسنال، فينالدوم ليفربول، خيمينيز وولفرهامبتون، والبقية. يستحق البرتغالي هذا اللقب فعلاً لأنه أهم لاعب في فريق مانشستر سيتي حالياً، خصوصاً بعد الغياب الطويل والمستمر لكيفين دي بروين نجم الفريق الموسم الماضي. في مباراة سوانزي على سبيل المثال، بدأ سيلفا الآخر كلاعب وسط بجوار سيلفا الأول دافيد، ثم انتقل إلى مركز الجناح الأيمن مع تمركز ستيرلينج على اليسار، وخلال فترات الحسم تحول إلى اليسار بطلب من جوارديولا خارج الخط، ليقدم عودة مثالية بتسجيله هدف وصناعته آخر رغم لعبه في 3 مراكز خلال تسعين دقيقة.

برناردو سيلفا يستطيع أن يراوغ ما يشاء، يسدد ويصنع ويسجل، لكنه لا يكتفي بذلك بل يدافع ويتحرك ويتمركز ويملأ الفراغات، تجده في كل مكان، في العمق الأطراف الهجوم، حتى في نصف ملعبه. البرتغالي يلعب بطريقة جذابة، لكنه أيضا يجعل زملائه يلعبون بشكل أفضل. يحافظ على الشعرة الفاصلة بين كرة القدم الجميلة في الخداع والمراوغة وكرة القدم الجيدة القائمة على خدمة سيستم وتكتيك الفريق، والتي تعيش سنوات وسنوات.

إذا كان دي بروين صمام الأمان الذي منع التيكي تاكا من الوقوع في الملل بالموسم الماضي كما وصفه جوناثان ويلسون، فإن برناردو هو "عفريت العلبة" الذي يظهر دائماً في الوقت المناسب، ليضيف قدر من الجرأة والتخيل إلى نظام جوارديولا الصارم تكتيكياً، والذي لا يسمح بأي ارتجال أو لمحة فردية خارج الإطار الخططي المنصوص عليه، لذلك أنقذ البرتغالي مدربه في أكثر من مباراة هذا الموسم، لأنه يركض بلا توقف، وفي نفس الوقت يركض بذكاء، والأهم من كل ذلك أنه يملك الجرأة للتصرف بفردية عندما لا تكون الجماعية بمثابة الحل الأمثل.











في احتفالات العام الجديد، كل لاعبي العالم وضعوا صورتهم مع زوجاتهم، صديقاتهم، أصحابهم، إلا برناردو سيلفا، وضع صورته مع والدته. يرتدي ملابس أقرب إلى حقبة الخمسينات والستينات، يمشي دائما بسترة ثقيلة وحذاء كلاسيكي قديم. شكله وأناقته وأسلوبه وحتى أحاديثه الجانبية، تشعرك أنك في حضرة شخص عتيق، جاء من زمن بعيد، لذلك يكون هو الضحية الأساسية لسخرية لاعبي مان سيتي، ونوادرهم، ومقالبهم، خارج الملعب بعيدا عن الكاميرات.

حينما يمرر صانع اللعب الكرة بطريقة مميزة وعبقرية، فإن الأمر لا يدخل في نطاق التوقع أو التأمل، لأنه يتمحور أكثر حول فكرة الإدراك، والإحساس الكامل بكل زوايا الملعب، وكأنه يملك كاميرات في الخلف، أو يلعب الكرة وهو معصوب العينين من الأساس. قبل بداية الموسم وبعد كأس العالم، توقعت دور مضاعف لعفريت العلبة برناردو سيلفا، بسبب سوء تمركزه سابقا سواء مع السيتي او البرتغال. في السيتي كان يلعب جناح هجومي اكتر منه لاعب وسط، بسبب عدم شراء محرز في ٢٠١٧، وفي البرتغال جناح على الخط نتيجة سيستم سانتوس الدفاعي.

كل شيء تغير خلال مباراة البرتغال وأوروجواي في دور الـ 16، حينما تحول من الطرف إلى العمق، خلف الهجوم مباشرة، ليقدم مباراة كبيرة ويقترب من المرمى، ويصبح لاعب وسط هجومي وصانع لعب حقيقي. بعد غياب دي بروين، برناردو اصبح لاعب وسط ثالث، لاعب مركز ٨ كما يقول الكتاب، مهاري، مسدد، تمرير صحيح، واضافة هجومية ممتازة. وحتى عمد تحوله للطرف، يلعب أكثر كجناح وهمي، يقضي معظم وقته في انصاف المسافات للداخل.







كرة القدم لها نص أو سكريبت، الممثل العظيم هو من يتفاعل مع النص الدرامي بشكل سليم ويحاول فهمه وإيصاله وفقاً لقدراته الإبداعية ولكن مع الحفاظ على الإطار الرئيسي. وفي كرة القدم، المدرب هو من يضع النص، والنظام الرئيسي الذي يسير عليه جميع اللاعبين، واللاعب الذكي هو من يلتزم بسكريبت المدرب لكن مع إضافة بصمته الخاصة في الوقت المناسب، ليخدم فريقه في النهاية ويحصل على "البرستيج" أيضاً.

مقولة رائعة لأريجو ساكي تلخص دور وقيمة برناردو سيلفا هذا الموسم، لاعب فنان ولمسته فذة لأقصى درجة، وفي نفس الوقت يضع مصلحة زملائه فوق مصلحته، لذلك هو يبدع في الشقين، الفردي والجماعي على حد سواء.



كود الاضافة الى موقعك :

ليست هناك تعليقات: